حركة المقاطعة | BUP

BUP
صلاح الدين جورشي

صلاح الدين جورشي “المقاطعة بين الرغبة والتأثير في السياسات الدولية”

 صلاح الدين الجورشي  – تونس – الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان

تكررت الدعوات المتعلقة بمقاطعة البضائع الأمريكية منذ فترة طويلة.
وهي إذ نجحت نسبياً في بعض الحملات، إلا أن تأثيرها الاقتصادي ومن ثم السياسي بقي محدوداً.

ولم يسفر عن هذه الحملات تغيير ملحوظ في اختيارات البيت الأبيض، أو تعديل جوهري في السياسات الخارجية للولايات المتحدة.
وينطبق هذا الحكم بالخصوص على المسائل التي تهم العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، في مقدمتها القضية الفلسطينية.

مع ذلك تبقى لهذه الدعوات دلالات هامة على المستويين السياسي والأخلاقي.

فالذين يبادرون بهذه الدعوات لهم مشكلة فعلية وحقيقية مع الولايات المتحدة كدولة وكسياسات ذات طابع استراتيجي.
فالمقاطعة في هذا السياق ليست موجهة ضد الشعب الأمريكي المعروف عنه بكونه يمارس حياته بعيدا عن عالم السياسة،
وهو غارق بشكل واسع جدا في المسائل المحلية، ونادرا ما يفكر فيما يجري خارج حدود ولايته.
لهذا يعتبر الشأن الدولي شأن نخبوي بامتياز، يهتم به ويتابعه عدد قليل من الأفراد والمؤسسات واللوبيات.

أمريكا عملاق اقتصادي، ورغم أهمية السوق المحلية، إلا أن قوة هذا الاقتصاد يستمدها أيضا من اكتساحه للأسواق العالمية عبر شبكة واسعة من الشركات متعددة الجنسيات والاتفاقيات الثنائية والإقليمية والدولية،
وبالخصوص من خلال منظمة التجارة العالمية التي تتولى تنظيم الحركة التجارية العالمية بما يخدم موازين القوى المهيمنة وفق مقولة دعه يعمل، دعه يمر.

وبالتالي تعتبر الدعوة إلى المقاطعة شكل من أشكال مناهضة الخيار الاقتصادي القائم على فتح الأسواق.

كل الأسواق أمام الشركات العملاقة من أجل اكتساحها دون مراعاة هشاشة الاقتصادات المحلية، ودون مراعاة ملايين العمال والصناعيين في البلدان الضعيفة،

والذين يعتمدون على وسائل انتاج محلية، ولا يملكون الحد الأدنى من القدرة التنافسية التي تملكها الشركات العملاقة.

لهذا لا تخشى أمريكا من دعوات المقاطعة التي يرفعها المناهضون لها، فهي قادرة على امتصاصها، والتقليل من حجم خسائرها.

لكن متى تصبح هذه الدعوات مؤذية عملياً؟.

تصبح كذلك عندما تمتد المقاطعة جغرافيا لتشمل شبكة واسعة من الدول عبر مختلف القارات.

عندها يصبح الضرر مباشرا وفادحا. وقد يتحول ذلك إلى نوع من الحرب التجارية التي تستعمل فيها أمريكا كل الأسلحة التي تملكها،
وتجر وراءها حلفائها بحكم أنها القائد الفعلي للرأسمالية العالمية داخل مناطق نفوذها.

لكن حربا من هذا الحجم تتجاوز نطاق بعض المنظمات والجمعيات ذات الإمكانيات المحدودة، وتخاض عادة مع دول كبرى في حجم الصين أو روسيا.

كما تخشى الولايات المتحدة من التخطيط الذي يهدف إلى الحد من نفوذ الدولار.

لهذا تحركت بسرعة وبقوة عندما دعا مؤسس الحركة الإسلامية الحديثة نجم الدين أربكان إلى إقامة اتحاد اقتصادي إسلامي آسيوى – أفريقي يضم إلى جانب تركيا كل من ) إيران – باكستان – بنغلاديش – ماليزيا – مصر – نيجيريا – اندونيسيا ( .

واقترح صلاح الدين جورشي؛ على هذه الدول فكرة استبدال الدولار بالعملات المحلية، أو العودة إلى أسلوب المقايضة في الميدان التجاري.

فمثل هذه المبادرات من شأنها أن تحد من الهيمنة الأمريكية على أسواق المال والاقتصاد، ويمكن أن تتحول إلى فرصة لبناء شبكات موازية وتكتلات اقتصادية ضخمة قادرة على فك الارتباط بين أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي والورقة الخضراء.

وهو أمر إن حصل ستكون من نتائجه فتح الباب أمام تشكل خارطة اقتصادية عالمية مختلفة عن الخارطة الحالية، وهي فرضية لن تسمح أمريكا لها بالولادة، لأنها ستتسبب في توجيه ضربة موجعة للاقتصاد الأمريكي.

تكتسب الجمعيات والمبادرات الداعية لمقاطعة البضائع الأمريكية أهمية رمزية، لأنها وإن كانت قادرة على إضعاف الاقتصاد الأمريكي،

فبإمكانها لفت أنظار العالم أو أطراف من الرأي العام إلى بعض القضايا العادلة، التي غطتها الأحداث الكبرى، أو غيبتها وسائل الإعلام العملاقة والمؤثرة، ففقدت تلك القضايا أبعادها الانسانية، وجرفتها الصراعات الصغرى والحسابات الضيقة نحو زوايا النسيان.

إن المقاطعة كأسلوب تحريضي قادر على دفع الأفراد والجماعات نحو تنمية وعيهم بالقضايا العادلة، لكن ذلك وحده غير كاف لتغيير موازين القوى محلياً ودولياً.

هو حق تضمنه القوانين، وقد سبق أن مارسته بعض الشعوب مثلما فعل الهنود بقيادة الزعيم الكبير غاندي،

لكنه أسلوب يقتضي نفساً طويلاً وصبراً جماعياً لتحمل الضغوط التي ستمارسها الولايات المتحدة بطرق متعددة.
فالزمن قادر على فعل أشياء عديدة، خاصة إذا استمرت الرغبة في التحدي،
وبقي الأفراد يدركون جيدا طبيعة المعركة التي يخوضونها، وهم واعون بأهدافها ومراميها.

وأضاف صلاح الدين جورشي: كما يمكن أن تكون المقاطعة أو الدعوة إليها فرصة لتنمية الثقة في الذات،
والإيمان بأهمية التشجيع على استهلاك البضاعة المحلية، وتفضيلها على البضاعة الأمريكية أو غيرها. لأن ذلك من شأنه أن يقلب الأولويات.

ويمهد الطريق نحو ثورة ثقافية تجعل المواطن قادرا على عدم استهلاك بضاعة أجنبية
والإقبال تطوعاً وبكامل الوعي والحرية على شراء بضاعة يصنعها ويبيعها شريك له في الوطن.

عندما تستقر هذه الرغبة في الوجدان الفردي، ثم تنتقل لتصبح إرادة جماعية، عندها فقط يمكن أن تنجح المقاطعة وتعطي نتائج هامة وفعلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى