حركة المقاطعة | BUP

BUP
عبيد عبيد

عبيد عبيد: سلوك المقاطعة عُرفاً اجتماعياً وأداة تأديبية

عبيد عبيد رئيس تحرير تلفزيوني في سورية

المقاطعة ورقة رابحة… لم تُلعب بعد!

الحياة بأكملها عبارةٌ عن استفسار مبني على حب المعرفة والفضول الايجابي، فمن عَرف كيف يصيغ أسئلتهُ بشكلٍ سليم، حصل على اجاباتٍ وافيةٍ ولو بعد حين!، لذلك سنسألُ أنفسنا أسئلةً ثلاث علنا نصل لإجاباتٍ وافية وبناءة.

لماذا أقاطع، ومن أقاطع؟

ماذا لو لم أقاطع؟!

 

فمنذ فجرها الأول اختبرت البشرية سلوك المقاطعة عُرفاً اجتماعياً وأداةً تأديبيةً تُقصي بها المارقين ضمن الجماعة الواحدة!

ومع تطور العقل البشري وانتقال الإنسان من الترحال إلى المدنية،
بدأ سلوك المقاطعة بالتطور، ليتحول من الشكل التأديبي الفرداني نحو أشكالٍ أشدَ وطأةً وأبعد هدفاً
ليبلغ مكانة لَيِّ الذراع لمجتمعات وشعوبٍ أخرى، وإعادة ترتيب المرتسمات الجيوغرافية.

 

ومن يفكر بعقل المنطق يدرك تماماً أنه كلما ازداد تعداد الشعوبِ المُقاطِعة ترجح كفته على حسابِ الأُمَمِ المُقَاطَعة، لكن في أحيانٍ كثيرةٍ المنطق ليس صديقاً للواقع، فكم تغنى العرب مثلاً بأهمية مقاطعة المنتجات الغربية وعلى رأسها المنتج الأمريكي.

 

بالمقابل حُلم كلِ متنعمٍ وغير متنعم اقتناءَ جهاز آي فون -Iphone-، حقيقةً اقتناؤه لم يعد حلماً بل أصبح هاجساً لأغلب أبناء الجغرافية الممتدةِ من المحيط إلى الخليج،
وبحسبة صغيرة وعلى افتراض أن الفارق بين جهازٍ ذكيٍ غير أمريكي وآخر بنفس المواصفات هو 300$،
فلو أننا أعدنا توجيه هذا المبلغ تجاه الطلبة فإننا نساعد أربعة طلابٍ يعيشون الفاقة لنقدم لهم قرطاسيةَ عامٍ دراسيٍ كامل،
أما لو فكرنا بطريقة عكسية ماذا تستفيد القوى المصدرة لهذا الجهاز من الفارق فقط فإننا سنذهل حقيقةً فهذي الدولارات الثلاثمئة تكلفة تصنيع بندقية M16  مذخرة بمخزن يحتوي على ثلاثين طلقةً بالتمام والكمال.

 

سنغير الاتجاه قليلاً ونقف عند أمورٍ أبسط بكثير لكنها عششت في عقلنا اللاواعي لتصبح ديدن حياتنا،
فعندما نتحدث عن الصورة الذهنية للرجولة فأغلب رجالات بلادنا يربط الرجولة بكاركاتير فتى الكاوبوي وهو يلثم بلذةٍ قلَ نظيرها سيجارة المارلبورو، نعم هذي الصورة نتاج عقودٍ من التسويق النفسي الموجه لاغتصاب عقول الرجال الذين على عاتقهم تقع مسؤولية صون الأرض والعرض.

 

إذاً، لماذا أقاطع؟

بكل بساطة كي أحمي ما تبقى من إرث مجتمعي الفكري وكي أمنح أبنائي عالماً آمناً غير متغولٍ يسعى لمنع تحول أطفالنا لعبيد.

 

من أقاطع؟

هنا يبدو الجواب أصعب من سابقه، فكلنا يطمح ليحيى متنعماً بالمنتج الغربي الذي سُوِقَ لنا على شكل الفردوس في الأرض، فقد كانت البروباغاندا المستخدمة تخاطب المشاعر والغرائز، مغيبةً وبشكلٍ كامل للعقل، لذا فإجابة هذا السؤال تقع على عاتقكِ عزيزي القارئ!

 

أما ماذا لو لم أقاطع؟

فإنك تدرك تماماً بأنك لن تحظى بساعتين متتاليتين من الكهرباء،
ولن تستطيع تنشئة أبنائك على القيم النبيلة والحياة الرغيدة،
لا بل ستبقى بلادك مسرح النزاعات الدولية إلى أن تتخذ قرارك بالمقاطعة.

 

ولو أننا فكرنا برد السحر على الساحر فلنا أن نستفيد من بعض المنتجات الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً كالسوشال ميديا مثلاً، فبدلاً من استخدامها بالشكل الذي قدموه لنا بلبوس التفاهة والتسخيف وتصغير العقول، سنستخدمه أداةً لنشر ثقافة المقاطعة.

 

فهذي الوسائل باتت محور حياة المجتمعات برمتها، ملاصقةٌ لأغلب بني البشر، وهنا تقع المسؤولية الأكبر على عاتق المثقف الايجابي،
الذي من المفترض أن ينشر هذي الثقافة بقوامٍ جذاب ليلفت انتباه جيل الشباب، وقود وسائل التواصل،
وعليه أيضاً أن يكرس وقتاً أرحب على المنصات والمنابر وفي الجلسات الخاصةِ والعامة،
ليضيء على دور المقاطعة في بناء مجتمعاتٍ متينة وعلى أهمية استخدام أسلحتهم التقنية لرد الكرة إلى ملعبهم.

 

وفي نهاية المطاف، لم تتماسك الشعوب يوماً ولم تقم الدول إلا ضمن منطلقين رئيسين؛
الإرادة والقرار الجمعي، فالإرادة على المقاطعة ستوصلنا يوماً إلى اتخاذ القرار الجمعي على المقاطعة،
وستنعم ذرارينا بكثيرٍ من أسباب الحياة الراغدة.

فهل أنتَ مُقاطع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى