حركة المقاطعة | BUP

BUP
توفيق المديني

توفيق المديني: الحرب في أوكرانيا نهاية للعولمة الليبرالية المتوحشة

هل تشكل الحرب في أوكرانيا نهاية للعولمة الليبرالية المتوحشة؟  توفيق المديني – تونس

بعض المحللين والخبراء يرى أنَّ المخرج الحقيقي للأزمة الاقتصادية والمالية التي تعيشها العولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة في طورها الراهن، لن يكون سوى من طريق حرب جديدة ومؤثرة، من شأنها أن تساعد في إيجاد سبيل لاجتياز هذه الأزمة البنيوية للعولمة الليبرالية.

وفضلاً عن ذل، فقد أظهرت الأحداث من الناحية التاريخية أنَّ هناك ترابطاً جدلياً بين أزمة الرأسمالية الامبريالية والحرب.

شكَّلتْ الحرب الروسية – الأوكرانية صدمة خارجية عنيفة جدًّا للنظام العالمي الليبرالي الجديد الذي يقوم على العولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة،
التي اعتقدت أنَّها حققت انتصاراً كاسحاً ونهائياً على الماركسية والاشتراكية في نهاية عقد الثمانينيات من القرن العشرين،
إذ وقعتْ العولمة الليبرالية هي الأخرى في فخ لاهوت الخلاص وميكانيزماته الذي وقعت فيه الماركسية حين طرحتْ نفسها على أنَّها إيديولوجية خلاص البشرية.
فالمعتقد الماركسي يقول إنَّ المحرك الرئيس لهذا الخلاص ليس الشعب، وإنما طبقة البروليتاريا أخص منتجات الصناعة الرأسمالية،
التي يجب أن تتحد في الكون كله من أجل تحقيق سعادة البشرية وإيصالها إلى “أرض الميعاد” أي الشيوعية حيث الرفاه والمساواة للجميع.

ويضيف الكاتب توفيق المديني: والعولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة، أو ما يطلق عليها علماء الاقتصاد النيوليبرالية أو الليبرالية الجديدة، تقول الشيء ذاته معكوساً، حيث لم تعد البروليتاريا هي منقذة البشرية بل الشركات المتعددة الجنسية ورجال الأعمال والبيزنس، والمؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمنظمة العالمية للتجارة, التي صارت حارس المعبد ومديروها الرهبان الكبار وأنبياء البشرية الجدد, اجتماعات زعماء وقادة الدول الصناعية الثمانية (G8) التي باتت تشبه اجتماعات اللجان المركزية للأحزاب الشيوعية الكبرى التي كانت تقاريرها الصادرة عنها بمنزلة الكلام المقدس.

ما علاقة الحرب بالأزمات الدورية للرأسمالية؟

قال الكاتب توفيق المديني: يتساءل معظم المحللين الأكاديميين في مجال الاقتصاد عن الأسباب الحقيقية التي تقود إلى الحرب؟ وهل تكفي الأسباب الاقتصادية لوحدها لإشعال فتيل الحرب ؟
في الحرب العالمية الأولى 1914-1918، التي يعرفها لينين بأنَّها حرب بين البلدان الرأسمالية الغربية من أجل إعادة اقتسام العالم بين الرأسماليين على أساس قوة وحجم رؤوس الأموال المستثمر.
وتُعَدُّ الحرب العالمية الأولى بمنزلة حرب إمبريالية، لا سيما أنَّ الإمبريالية مُعَرَّفَةٌ من قبل لينين هي المرحلة الاحتكارية من الرأسمالية.
وكذلك: ” إنَّ الإمبريالية هي الرأسمالية التي وصلت إلى مرحلة متطورة تتأكد فيها سيطرة الاحتكارات ورأس المال المالي,
وفيها يكتسب تصدير رؤوس الأموال أهمية من الدرجة الأولى, ويبدأ اقتسام العالم بين التروستات الدولية,
وينجز اقتسام كافة أقاليم الكرة الأرضية بين أكبر البلدان الرأسمالية”.

لقد شكلت الحرب العالمية الأولى نهاية العصر العظيم الأول للعولمة في مرحلة الرأسمالية التنافسية، الذي بدأ في ستينيات القرن التاسع عشر وامتد لغاية 1913، وكانت القوة الدولية القائدة لهذا العصر الأول من العولمة الليبرالية في مرحلة الرأسمالية التنافسية و التجارية والماركنتيلية هي بريطانيا العظمى.

يعتبر الاقتصادي الروسي نيكولاي كوندراسياف الذي مات إبان مرحلة القمع الستالينية، هو أول من ربط بين اندلاع الحروب و الدورات الطويلة للاقتصاد, عندما أشار إلى وجود موجات طويلة تمتد إلى خمسين سنة مشتركة لمجمل البلدان الرأسمالية الأوروبية.

و كانت تتناوب في هذه الموجات أطوار من التوسع الاقتصادي، و أخرى من الانكماش، تمتد لمدة خمس وعشرين سنة لكل واحد منها.

وقدم مؤرخون أمثال أرنولد طونبي , واقتصاديون أمثال جوزيف شومبيتر ،إسهاماتهم النظرية في موضوع العلاقة بين الدورات الاقتصادية و الحرب.

غير أن الإسهام النظري الحديث كان قد قدمه الاقتصادي الأمريكي جوشيا غولدشتاين في كتابه ” الدورات الطويلة، حرب و ازدهارفي العصر الحديث “، إذ ركز على العناصر التالية:

1-إن الدورات الاقتصادية هي حقيقة ملازمة للاقتصاد الرأسمالي الغربي منذ القرن الخامس عشر.
2-إن أطوار التوسع الاقتصادي للموجات التي نظر لها كوندراسياف لا تكشف لنا الحروب أكثر من أطوار الكساد.
3-في كل مرة تندلع حرب كبيرة، تظهر على المسرح الدولي قوة عظمى مسيطرة لمدة قرن و نصف،
الأمر الذي يفسر لنا التفاوت التاريخي بين دورة قوة ودورة اقتصادية.

ويمثل الطور الصاعد من الدورة الاقتصادية المرحلة التي تنتشر فيها الابتكارات التكنولوجية في الجسم الاقتصادي والاجتماعي،
أما في الأطوار الانكماشية فهي تفسر لنا عادة إزالة المواد والمصانع القديمة لتحل محلها الجديدة. وهو ما يطلق عليه اسم ” الهدم المبدع”.

اعتبرت الإمبر اطورية الأمريكية ومعها الدول الأوروبية الحرب الروسية بمنزلة الهجوم الصارخ لإسقاط النظام العالمي الليبرالي الأمريكي،
بل اعتبرت حرب أوكرانيا نهاية حلقة واحدة رائعة في تاريخ البشرية.
فكان الردّ الصارم من جانب كل الغرب فرض العقوبات الاقتصادية و المالية على روسيا،
فتعطل بذلك توريد السلع الأساسية، من القمح إلى النيكل ومن التيتانيوم إلى النفط.
ويبذل الغرب كل ما في وسعه لإلغاء روسيا من النظام الاقتصادي العالمي؛ أي معاقبة الأوليغارشية،
وطرد البنوك الروسية من الشبكة المالية العالمية، ومنع البنك المركزي الروسي من الوصول إلى احتياطياته، وهناك حديث عن طرد روسيا من منظمة التجارة العالمية .

تنظر الولايات المتحدة إلى الحرب الروسية في أوكرانيا، بأنها حرب على العولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة التي أدتْ إلى زيادة الجوانب السلبية للرأسمالية،
وعمقت اللامساواة بين بلدان المركز الرأسمالي الغربي وبقية البلدان في عالم الجنوب، وتضاعف في عصرها المشاكل البيئية.

يدافع الغرب بشراسة قل نظيرها عن العولمة الرأسمالية الليبرالية المتوحشة ،
كونها أخرجت أيضاً أكثر من مليار شخص من براثن الفقر في العقود الثلاثة الماضية، وفي كثير من الحالات، عززت الحرية السياسية جنباً إلى جنب مع الحرية الاقتصادية.

فمن وجهة النظر الغربية، لا يزال الغرب أقوى بشكل ملحوظ من الشرق، وعند استخدام مصطلحي “الغرب” و”الشرق” فإنه يعني التحالفات السياسية بدلاً من المناطق الجغرافية فقط؛ حيث تمثل الولايات المتحدة وحلفاؤها 60٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بأسعار الصرف الحالية؛ الصين وروسيا والأنظمة الاستبدادية بالكاد تصل إلى ثلث ذلك الرقم.

ولأول مرَّة منذ سنوات، تتحد الدول الأوروبية خلف الولايات المتحدة في ظل رئاسة جو بايدن كزعيمة لما يسمى العالم الحر الموحد والمتجدد حديثاً بعد أن تخلت عن عزلتها الترامبية، للدفاع عن النظام العالمي الليبرالي الجديد الأمريكي، الذي ينوي الرئيس بوتين تدميره، وتدمير التدفق الحرِّ للتجارة والتمويل معه، حسب الدعاية الإعلامية و السياسية الغربية.

لكنَّ حرب روسيا في أوكرانيا التي يقودها القيصر بوتين تعمل أيضاً على تسريع التغييرات في كل من الجغرافيا السياسية في أوروبا و العالم،
والعقلية الرأسمالية اللتان تتعارضان بشدة مع العولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة.

خاتمة:

ختم الكاتب توفيق المديني :

أكدت الحرب في أوكرانيا الشراسة و العدوانية للغرب في دفاعه المستميت عن بقاء النظام العالمي الليبرالي الجديد الأمريكي بزعامة الإمبريالية الأمريكية قائدة المعسكر الرأسمالي الغربي بلا منازع،
والحيلولة دون تحول البشرية إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، ونظام اقتصادي عالمي جديد لا يقوم على الدولار، الذي تنادي به عدة أقطاب دولية و إقليمية جديدة أخذت تفرض نفسها على الساحة الدولية اقتصاديا وسياسيا، وحتى عسكرياً،
مثل الصين التي غدت ثاني اقتصاد في العالم، وروسيا التي استغلت الإنهاك الأمريكي في حروبها العبثية في كل من أفغانستان، و العراق، وسورية،
للعودة الى الساحة الدولية عبر سلسلة تدخلات في جورجيا وأوكرانيا وسورية وغيرها.

 

فهذه الأقطاب الدولية والإقليمية الجديدة التي أصبحت تزاحم الولايات المتحدة الأمريكية سيادتها على الساحة الدولية مستغلة أفول هيمنة الإمبراطورية الأمريكية،
التي بدأت منذ أحداث 11سبتمبر 2001، واندلاع الأزمة المالية التي ضربت الولايات المتحدة عام 2008.

ودفعتها إلى الانسحاب من العراق، تاركة وراءها حطام بلد غارق في الفوضى، وتراجع موقع الولايات المتحدة في النظام الاقتصادي الدولي،
إذْ انكمشتْ حصّتها من الناتج العالمي والتجارة الدولية بمقدار النصف منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي.

الجواب الغارق في عدوانيته للحرب في أوكرانيا من جانب الغرب لم يكن جواباً تاريخياً لأزمة عالمية،
بل هو معركة إمبريالية غربية شرسة تخوضها الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها، إذْ استطاعت واشنطن حشد مائة ألف جندي
على حدود حلف الناتو مع روسيا خلال وقت قصير نسبياً،
لإسقاط كل المقولات التي تؤكد على انتهاء عصر الهيمنة الأمريكية والانتقال نحو عالم متعدّد الأقطاب،
ودفاعها المستميت عن بقاء هيمنة النظام العالمي الليبرالي الجديد،
القائم على العالمية السياسية والرأسمالية الانتقائية التي تطورت من رأسمالية آدم سميث التحررية الكلاسيكية
إلى عولمة رأسمالية ليبرالية أمريكية متوحشة انتقائية يدعمها صندوق النقد الدولي (IMF)، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية (WTO)،
وتهيمن عليها النخبة الإمبريالية الأمريكية والأوروبية الجديدة، التي تشكّل أقل من 1% من سكان العالم وتمتلك 99٪ من البنوك المركزية
وأسهم البورصات العالمية، مما يؤهلها لامتلاك مختلف أنواع الشركات.
على سبيل المثال، يمتلك أعضاء النخبة حصصاً كبيرة في شركات المجمع الصناعي العسكري،
وشركات المجمع الصناعي الصيدلاني من جميع جوانبه، وخاصة قطاع اللقاحات.

إلى جانب ذلك، فإنهم يمتلكون الكثير من الحصص في (Google)، و(Facebook)، و(Twitter)، و(YouTube)، و(Instagram)، و(CNN)، و(MSNBC)،
إضافة إلى جميع القنوات الإخبارية التي تقوم بمراقبة المعارضة والبحوث المستقلة والمعلومات الجديدة حول (كوفيد 19).
علاوة على ذلك، تمتلك هذه النخبة شركات التكنولوجيا بما في ذلك تكنولوجيا النانو الحديثة للاتصالات التي سيتم تشغيلها من خلال تقنية الجيل الخامس 5G..

فالرأسمالية الجديدة، هي الترجمة العملية للنيوليبرالية، التي تمتلك رؤية اقتصادوية تختزل الإنتاج الاجتماعي إلى سلع وخدمات, فتغدو مجالات الحياة الاجتماعية هوامش للسوق، ويمكن الاستغناء عنها.

وهي رؤية تعيد إنتاج فكرة آدم سميث عن “اليد الخفية” التي تنظّم السوق
فتلغي فكرة الدولة بوصفها شكلاً سياسياً للوجود الاجتماعي
وتختزل الحرية إلى حرية السوق والقانون الى قانون السوق. و الرأسمالية الجديدة حسب تعبير الكاتب الفرنسي الشهير أنياسيو رامونيه:
هي التسليع العام “”la marchandisation generale للكلمات والأشياء، للأجسام والعقول, للطبيعة والثقافة,
الأمر الذي يقود إلى تعميق اللامساواة غير المسبوقة على الصعيد الكوني.
و تشكل هذه الرأسمالية الجديدة قطيعة اقتصادية, وسياسية, وثقافية، كبيرة, حين تضع الشركات والمواطنين أمام أمر واقع مفروض بالقوة:

” التكيف”, أي الاستسلام بملء الإرادة من أجل الخضوع الأفضل للأوامر غير المسماة للأسواق المالية.
إنها تقتل سلفا كل طيف مقاومة أو حتى تمرد باسم ” الواقعية”.

ومن وجهة نظر هذه الرأسمالية الجديدة تعتبركل السياسات الحمائية، وكل الأبحاث عن البدائل،
وكل محاولات التنظيم الديمقراطي، وكل الانتقادات للأسواق المالية، “رجعية ومتخلفة”.

لقد كشفت الحرب الروسية في أوكرانيا أن النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي الليبرالي وصل بالفعل إلى حافة الانهيار، وأنَّ الشعوب و الدول الوطنية في عالم الجنوب، والقوى الدولية و الإقليمية الناشئة، باتت جميعها تنادي ببناء نظام اقتصادي عالمي جديد بعد وباء (كوفيد19)، وحرب أوكرانيا.

لذا يجب أن نكون مستعدين مادياً وعقلياً للمساهمة بنصيبنا في النموذج الاقتصادي العالمي الجديد
الذي يجب أن يعكس القيم الديمقراطية الحقيقية القائمة على التنمية المستقلة،
مع زيادة الحرية والديمقراطية في مناطق العالم (أي تطبيق مقولة الليبرالية +حقوق الشعب الاقتصادية و الاجتماعية )،
و العمل على تحقيق أكبر قدر ممكن من التكافؤ بين قيمة رأس المال وقيمة العمل.

نهى الكاتب توفيق المديني كلامه: علينا أن نفكر لبعض الوقت في أن هذا النموذج الاقتصادي العالمي القادم
لا يمكن أن يكون نموذجاً تعاونياً قد يعمل من أجل رفاهية الطبقات الوسطى و الطبقات الشعبية، التي تعد أكبر منتج عالمي.

توفيق المديني – باحث وكاتب تونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى